موت عالم ونكبة جيل !! عشنا عصرالشيخ/ ياسر عثمان جاد الله ( 2021-1955 م )

موت عالم ونكبة جيل !!
عشنا عصرالشيخ/ ياسر عثمان جاد الله .. ( 2021-1955 م )

العبد الفقير إلى الله" ياسر عثمان جادالله النذير" الذي اصطفاه المولى- عز وجل- إلى جواره مساء الجمعة الموافق" 1/1/2021م"؛ شيخ وعالم جليل وداعية إسلامي؛ نحسبه- إن شاء الله- من أولئك النفر الأبرار الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله، وخصّهم بصفات وهبات كانت تشير دلائلها منذ مراحل الصبا الباكرة إلى أن ثمة مشروع قائد مجتمعي وإسلامي قادم في الطريق ولو لبعد حين!! دعونا نقترب قليلاً من حياض هذا الشيخ الجليل، ونتناول جانباً يسيراً من سيرته العطرة ومعينه النضر؛ فقد نذر الشيخ/ ياسر شبابه وحياته لخدمة الدعوة الإسلامية وتحقيق الهدف الذي عاش لأجله، وقد هيأ له المولى- عز وجل- من الأسباب والمسببات في بيته وتربيته ومحيط أسرته الصغيرة والكبيرة؛ ما جعله يصدق هذا الحدس و ينجح في تحقيق هذا المسعى وتلك الغاية النبيلة؛ فقد كان لنا شرف زمالته ورفقته الطيبة بمدرسة العيلفون الأميرية المتوسطة عند مطلع سبعينات القرن الماضي؛ ومنذ ذلك الحين ظللنا نرقب بانبهار ودهشة وإعجاب مهاراته المتعددة ونبوغه المبكر وذكاءه الوقاد ونشاطه البارز واللافت للنظر في ساحات المدرسة وأنشطتها، وتشهد بذلك مشاركاته الملحوظة في الجمعية الأدبية بالمدرسة وبروز موهبته وبراعته في الخطابة وإلقاء الشعر العربي بلسان عربي مبين بشجاعة ووجه طلق وقريحة متقدة وصوت جهور، وزاد عليها ما لقيه من تشجيع ومؤازرة من معلميه؛ وكل هذا كان مؤشرا لتحقيق نجاح المشروع في المستقبل القريب؛ فلم يخب ظن زملائه ومتابعيه، فتواصل هذا النشاط وهذه الموهبة الربانية المتفجرة والعطاء المتدفق في المراحل الدراسية اللاحقة ومدرسة رفاعة الثانوية بعد أن غير مساره إلى المساق العلمي، ولم تعرف الدوافع والأسباب التي جعلته يغير وجهته بالرغم من أن كل الدلائل تشير إلى المواصلة في المساق الأدبي الذي يمتلك أدواته ومهاراته؛ حاله في ذلك حال جميع أبناء جيله الذين تتغير وجهتهم واتجاهاتهم لأسباب عديدة، وانتسب إلى جامعة الخرطوم بكلية البيطرة في زمان لم تتح الدراسة فيه لأبناء جيله في هذه الجامعة العتيقة، واستمر نشاطه الدعوي والسياسي بجامعة الخرطوم هو في السنة الأولى وفُضِّل على الذين يفوقونه عمراً ودرجة ليكون إماماً وخطيباً لمسجد داخليات "البركس" والذي كان يمثل معقلاً مؤثراً للتنظيمات الإسلامية وعلى رأسها الاتجاه الإسلامي وجماعة الإخوان المسلمين؛ والبلاد وقتها تشهد معارضة عنيفة للنظام المايوي الذي أحكم قبضته على حكم البلاد منذ العام" 1969م"؛ ولعل الشيخ ياسر لم يرق له المقام بالدراسة في هذا المساق والمواصلة في كلية البيطرة رغم تفوقه الأكاديمي، فسرعان ما عاد له عشقه القديم، فيمم وجهه شطر" جامعة أم درمان الإسلامية"، وطابت له الدراسة هناك، فتخرج فيها في منتصف سبعينات القرن الماضي ، وبعدها حط رحاله بمنطقة العيلفون، ونذر حياته لخدمة الدعوة الإسلامية بين أهله ومريديه فألفته منابرها ومساجدها عالماً وقوراً وخطيباً مفوهاً . تقلب الشيخ / ياسر في الانتساب لعدد من الأحزاب والتنظيمات السياسية ذات الطابع الإسلامي؛ وكلها تدور في محور التنظيم الأصل للأخوان المسلمين التي عايش جميع مراحل انشقاقاتها وخلافاتها، وانتهى به المقام إلى تأسيس حزب جديد برئاسته، ثم ختم هذا المشروع وهذه المسيرة الحافلة التي تحدث عنها المتحدثون وكتب فيها الكتاب من أهله ورفاقه وتلاميذه وعارفي فضله، وتناولوا سيرته العطرة من المنبع إلى مرحلته الأخيرة التي هي الأقرب إلى الاعتدال والتوجه الصوفي والتي استمر عليها إلى آخر أيام حياته. وما يهمني في هذا المقام هو تجاوز كل تلك المراحل التي أفاض فيها المتحدثون وأبلى فيها الشيخ/ ياسر بلاءً حسناً على المستوى القومي والمحلي والإقليمي؛ لأقفز مباشرة إلى الأثر المجتمعي الذي أحدثه في محيطه المحلي بمنطقة العيلفون وما جاورها بعد أن حط به المقام بين أهله وعشيرته؛ ليؤسس مسجده وداره المعروفة الآن بالعيلفون؛ والتي بدأ نشاطها الفعلي فيها عند منتصف سبعينات القرن الماضي، وكان أثرها بالغاً في كل ما يصاحب منطقة العيلفون الآن من نشاط ديني ودعوة إسلامية؛ حيث عكف الشيخ / ياسر على تدريس النساء والأطفال والصبيان أصول الدعوة وحفظ القرآن وتفسيره ودروس في الفقه والحديث بإمكانات متواضعة وبلغة سهلة ومحببة، فكان له ولا يزال في كل بيت من بيوت العيلفون بصمة ونسمة وعبق من قرآن أو ذكر لحديث شريف، وواصل جهده هذا بعزيمة، ولم تثبط له همة أو تلن له قناة، فكان له ما أراد، فتخرج على يديه عشرات النساء والأطفال؛ بيد أن الأثر البالغ الذي نعيش تداعياته وأثره الآن في العيلفون تمثل في عشرات الشباب الذي التفوا حوله وتأدبوا بأدبه ونهلوا من علمه الغزير بوفاء وإخلاص ومحبة، فرفدوا منطقة العيلفون بعشرات الدعاة وحفظة القرآن الكريم، وكان منهم الأئمة الذين يملأون ساحات العيلفون ويعمرون مساجدها بالدعوة والإرشاد، ويكاد يكون أغلب أئمة مساجد العيلفون من خريجي المدرسة "الياسرية" المباركة، ولا يزال هؤلاء الشيوخ والأئمة والدعاة يدينون له بالفضل والوحب والولاء؛ انعكس هذا في التدافع وفاءً وعرفاناً قبل وأثناء تشييع جسمانه الطاهر إلى مثواه الأخير، وواصلت دار الشيخ / ياسر مسعاها العظيم بعد أن ألحقت بها مدرسة لتاج الحافظين حملت اسم والده العزيز، ولا تزال داره العامرة إلى عهد قريب من وفاته تشهد الاحتفالات في كل المناسبات الدينية ، وتحتفل بالخريجين من الحفظة والأنشطة الأكاديمية في المجالات كافة ... نسأل الله أن يعين أبناءه بحمل اللواء من بعده وابنه الشيخ / عمار الذي يعد أقرب أبنائه في السير على طريق والده الراحل العزيز؛ حتى يتواصل هذا المشروع ولا ينضب معينه أبداً ودائماً... الشيخ/ ياسر، غشيت قبرك شآبيب رحمة الله، وجعل البركة في عقبك وذريتك وتلاميذك وأحفادك... أبا عمار، طبت حياً وميتاً.

العيلفون : الأحد الموافق 3/1/2021م
 
أعلى